فخر الدين الرازي
35
تفسير الرازي
إسرائيل ) * إلى قوله : * ( لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) * ( المائدة : 12 ) وقال في سورة الأعراف : * ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ) * ( الأعراف : 156 ) وأما عهد الله معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم ، وقال : * ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ) * ( آل عمران : 81 ) الآية . وقال : * ( وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) * ( الصف : 6 ) . وقال ابن عباس : إن الله تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به - أي بالقرآن - غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين ، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل ، وأجراً باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في قوله تعالى : * ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) * ( القصص : 52 ) إلى قوله : * ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) * ( القصص : 54 ) وكان علي بن عيسى يقول تصديق ذلك في قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ) * ( الحديد : 28 ) وتصديقه أيضاً فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران ، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران " بقي ههنا سؤالان : السؤال الأول : لو كان الأمر كما قلتم فكيف يجوز من جماعتهم جحده ؟ والجواب من وجهين : الأول : أن هذا العلم كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم لكن لم يكن لهم العدد الكثير فجاز منهم كتمانه . الثاني : أن ذلك النص كان نصاً خفياً لا جلياً فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه . السؤال الثاني : الشخص المبشر به في هذه الكتب إما أن يكون قد ذكر في هذه الكتب وقت خروجه ومكان خروجه وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك أو لم يذكر شيء من ذلك ، فإن كان ذلك النص نصاً جلياً وارداً في كتب منقولة إلى أهل العلم بالتواتر فكان يمتنع قدرتهم على الكتمان وكان يلزم أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين . وإن كان الثاني لم يدل ذلك النص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن يقولوا : إن ذلك المبشر به سيجيء بعد ذلك على ما هو قول جمهور اليهود . والجواب أن الذين حملوا قوله تعالى : * ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) * على الأمر بالتأمل في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة على ما شرحناه في القول الأول إنما اختاروه لقوة هذا السؤال ، فأما من أراد أن ينصر القول الثاني فإنه يجيب عنه بأن تعيين الزمان والمكان لم يكن منصوصاً عليه نصاً جلياً يعرفه كل أحد بل كان منصوصاً